نحن من هذه الأرض، أرض الشرق، أرض شروق الشمس!

21 فبراير 2021

بينما كنا نتحضر لليلة "الاقتران العظيم"، نحن من اخترنا منذ عدة سنوات إعادة النظر فيما هو مهم وما هو أهم، فيما يمكن أن يملأنا من الداخل وما يمكن أن يزيد الفراغ، فيما يفتح قلوبنا وما يجعل عقولنا أكثر تحجرًا وغرورًا. نحن جزء صغير، ولكننا نكبر كل يوم ويقترب بعضنا من بعض أكثر فأكثر. وليلة "الاقتران العظيم" مهمة جدًا في مسار تطورنا الروحي وتلقّينا للمعرفة وترسيخ علاقتنا بكوكب الأرض وبالكون. يمكنكم القول بأنها "بونس"، أي تساعد كل شخص يعي أهميتها في أن يتطور بشكل أسرع، حيث تكون "كل أبواب ومنصات السماء" مفتوحة.

سأعود بعد قليل لنتحدث أكثر عن هذه الليلة، لكن قبل ذلك سأروي لكم ما حدث معي في اليوم ذاته مع مصمم الشعر، حيث كنتُ كعادتي "أصفف" شعري، وكان "يحيى" الشاب الذي يتولى ذلك في هذا اليوم تحديدًا، يوم "الاقتران العظيم"، يتحدث بطريقة مختلفة؛ إذ قال لي إنه استفاق باكرًا جدًا اليوم ويشعر بنشاط كبير، وكأن ثمّة طاقة يشعر بها ولا يدري كنهها، فسألتُه إن كان يعلم أن الليلة ينتظرها آلاف الأشخاص بمختلف أنحاء العالم من أجل التأمل، وأنها ليلة مهمة جدًا للتطور الروحي وتلقّي الطاقة. لم يفهم "يحيى" ما قصدتُه، فأردتُ أن أستعين بمحرّك "غوغل" لأجل ذلك، واكتشفتُ أنني لا أستطيع أن أكتب بالإنجليزية، ويحيى لا يقرأ إلا باللغة العربية، وكانت المفاجأة أنني لم أتمكن من إيجاد محتوى يمكن ليحيى أن يقرأه ويساعده في فهم أهمية هذه الظاهرة الكونية وتأثيرها على تطورنا ووعينا ومسار الإنسانية جمعاء. لم أستطع أن أحصل على محتوى باللغة العربية بإمكانه أن يقرأه ليعي أهمية "التأمل" في هذه الليلة، أو الجلوس بصمت، أو حتى مجرد التفكير بهذه الظاهرة الكونية؛ فأي من ذلك سيساعده في الولوج إلى كوامن النفس، أو التواصل مع السماء، أو حتى تعميق النظر في تأثير هذه الظاهر الكونية على حياتنا. لربما لن تغير مجرى حياة يحيى، لكنها بالتأكيد ستفتح قلبه وعقله ووعيه.

وفي حين تمتلىء المواقع بمقالات وإرشادات وتحقيقات عن "الاقتران العظيم" باللغة الإنجليزية، تتحدث عنه من منطلق علمي بحت تارة، ومن منطلق روحي تارة أخرى، بل وحتى من المنطلق الشخصي، كيف يمكن أن نستفيد من هذا الحدث إن لم تكن هناك "معلومات" أو محتوى باللغة العربية؟

هل هي مجرد صدفة أن نقصي شبابنا العربي الذي لا يتحدث ويقرأ إلا بلغته الأم عن هذا الحدث الكوني وهذه المعرفة والفرصة كونية التي تحدث كل400 سنة تقريبا. 

منذ أكثر من 10 سنوات، أسستُ جمعية "فعل أمر" التي هدفت إلى تغيير النظرة تجاه لغتنا من خلال التشجيع على الإبداع، وتضمنت العديد من النشاطات والمحاضرات والمهرجانات، ومن ضمنها خطابي على منصة "TED" الذي حمل عنوان "لا تقتل لغتك". واليوم أرى أن القضية لا تقتصر على التوعية بجمال وأهمية اللغة العربية والهوية والثقافة وما إلى ذلك. نحن اليوم أمام مسؤولية أكبر بكثير تجاه الإنسانية وتطورها تحتّم علينا عدم حرمان فئة كبيرة من بناتنا وشبابنا في العالم العربي من المعرفة الكونية، مسؤولية تقتضي التفكير بعمق في مستقبلنا المعرفي، فلم تعد القضية أن اللغة العربية لم تواكب التكنولوجيا والأبحاث العلمية، بل أصبحت قضية "إقصاء" وإلغاء معرفي؛ وهذه جريمة كبيرة بحق الإنسانية جمعاء.

كل ما أتمناه أن نكون جديرين بهذه الأرض وهذه اللغة، وكما يقول مولانا جلال الدين الرومي: "لا تفقد الأمل أبدًا يا قلبي؛ المعجزات تسكن في الخفاء".

يمكنك مشاهدة محاضرة لانا مزاهرة هنا:

 

عن المؤلف

سوزان تلحوق هي كاتبة وشاعرة تحث على استخدام اللغة العربية كأداة للقوة والفخر والوحدة. حصلت سوزان على درجة الماجستير في الفيزياء ولكنها باشرت حياتها المهنية كخبيرة في الاتصالات والعلاقات العامة وكاتبة ومتحدثة في TEDxBeirut وكذلك في المنتديات الدولية مثل Harvard و McGill وغيرها. تشغل تلحوق منصب إدارية في مجلس القيادات النسائية في لبنان (WLC) ، ومؤسسة لمنظمة محلية تسمى "فعل أمر" و التي تهدف إلى إبراز دور اللغة الأم في الإبداع والإنتاجية والحفاظ على الهوية. علاوة على كل ذلك، قامت تلحوق بتأليف ديوانين شعريين.