تناقش الدكتورة أمال كربول أهمية إعطاء الأولوية لتعليم الفتيات في عالم ما بعد الجائحة العالمية من خلال منحهن أدوات لتغيير الأنظمة التي تحول دون نجاحهن.

16 يوليو 2021

في وقت سابق من شهر مارس الأخير، مع مرور سنة على حلول الجائحة العالمية، تملّكني الشعور بالإرهاق وأنا أفكّر في ابنتَي. في السنة الفائتة، مثل الكثير من الآباء والأمهات في مختلف أنحاء العالم، كنت أبذل قصارى جهدي في مساعدتهم على التعلم عن بعد، والمحافظة على الصداقات خلال الحجر الصحي، والتعامل مع أحاسيسهما في خضم مواجهة المجهول، ولكني أدرك أن هذا لم يكن كافيا. 

أنا أم أولًا، ولكن خلال السنة الماضية كنت أيضًا مُدرِّسةً، وطبّاخةً، وطبيبةً في واقعنا الجديد في الحجر الصحّي. تتعاطف الأمّهات حول العالم مع بعضهن، فأدوارنا كلنا أصبحت متطلّبة أكثر فأكثر إذْ تحوّلت منازلنا إلى مدارس ومراكز رعاية صحية ومكاتب عمل. ومع تقلّص عالمنا إلى بعض الغرف الصغيرة، تساءلت إنْ كانت ستحظى ابنتيّ بالفرص الفسيحة التي كنت أحلم بها لهما عندما تكبران؟

كُتب الكثير عن تفاوت آثار جائحة كوفيد 19. وبينما تواجه النساء تحدّيات متزايدة في المنزل، ما زالت هناك نساء وفتيات حول العالم تخسرن دخلهنّ ووظائفهنّ وأفراد عائلاتهن. والمقلق أيضًا أنّ العنف القائم على النّوع الاجتماعي آخذ في الارتفاع. ولو ثبت أن هذه الجائحة مثل سابقاتها من الأزمات الصحية، فإن الفتيات هن الأكثر عرضة للانقطاع عن المدارس عند إعادة فتحها. وبالمعدّل الحالي، من المتوقع أن لا تعود أكثر من 11 مليون فتاة أبدًا إلى مقاعد الدراسة بعد الوباء.

مع تحوّل بعض المدارس إلى مدارس افتراضية أو غلق بعضها تماما، وقع عبء العمل المنزلي على كاهل النساء بصفة خاصة حتى جعلهن ذلك في مواجهة اختيار صعب بين عائلاتهن أو حياتهن المهنيّة. في الاقتصادات المتقدّمة، ازدادت معدلات ترك النساء لوظائفهن إلى مستويات قياسية، إذ بلغت نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة الأمريكية أدنى مستوىً لها منذ 33 سنة. أما في البلدان النامية حيث تعمل العديد من النساء في القطاع الموازي غير النظامي أو لحسابهنّ الخاص، تمثّل مداخيل الأشهر المهدورة والحيرة بشأن فرص العمل تهديدات خطيرةً على سبل عيشهن. ففي الشهر الأول من جائحة كوفيد 19 وحده، ضاع 80 بالمائة من دخل القطاع الموازي في إفريقيا.

خلّفت الآثار المتراكمة للوباء انعكاسات علينا جميعا. فالنساء يخسرن فرص اكتشاف مواهبهن وقيادة مجتمعاتهن ودفع الابتكار حول العالم. ومع تقلص الفرص الاقتصادية والتعليمية، من المقدر أن يهبط 96 مليون شخص إلى مستوى الفقر المدقع من بينهم 47 مليون امرأة.

لذا أتساءل كيف لنا أن نغير ونعالج الأسباب الأساسية لاستمرار عدم المساواة؟ وكيف يمكن أن نواجه تفاوت آثار الجائحة على النساء والفتيات؟

الأمر واضح بالنسبة لي، والبداية تكون بتعليم الفتيات. فالنساء الأفضل تعليمًا هنّ مفتاح دفع التنمية وانتشال المجتمعات من الفقر. تثبت البحوث الرائدة أن الاستثمار في تعليم الفتيات لا يعود بالفائدة على الاقتصاد فقط بل يفيد أيضا الأمن القومي وقطاعات الصحة وجودة الحياة. كما أنّه إذا حصلت كل الفتيات على التعليم الثانوي بحلول عام 2030، سيرتفع الناتج الإجمالي المحلّي للبلدان النامية بمعدل 10 بالمائة.  إلاّ أن الفتيات ما زلن إلى يومنا أول من يُجبر على ترك المدارس عندما تصعب الظروف. لذا حان وقت إعادة النظر بالإنصاف في التعليم كمحرك للعدالة الاجتماعية، وحان كذلك وقت معالجة الأسباب الجذرية التي تترك النساء والفتيات خلف ركب المسيرة التعليمية.

إن تعليم فتياتنا مسؤولية مشتركة للمجتمع الدولي، وإذا لم ننهض ونواجه التحدي معًا فإننا نخاطر بتفاقم التفاوتات الهيكلية العميقة وإهدار كل التقدم الذي تحقق قبل الجائحة. 

من المؤكد أن المنظمات الخيرية تستثمر في تعليم الفتيات منذ عقود. فما هو الجديد؟

ما نحتاجه لتغيير النتائج حقًا هو تقديم تمويل للتعليم أكثر نجاعةً وفعاليةً، ومحاسبة المسؤولين عن المخرجات ومدى تأثيرها.

ثبُت بالأدلة أن الاقتصار على الاستثمار في تحقيق نتائج ناجحة، بدلًا من الانشغال بالوسائط التعليمية مثل الكتب والبنية التحتية، يمكن أن يحدث فرقًا مهمًا في تعلّم الفتيات. لم يعد يكفي أن نقول "لقد بنينا مدرسة" أو "قمنا بدورة تدريبية". وباعتماد هذه المقاربة تمكنت منظمة "Educate Girls" (علّموا الفتيات) منذ نشأتها قبل عدة سنوات من تسجيل أكثر من 750 ألف فتاة في الهند. ويعد صندوق "The Education Outcomes Fund (EOF)" (نتائج التعليم) مثالًا آخر على حركة أوسع تهدف لتغيير طرق مساعدة الأطفال على التعلم. خلال الأوقات الحرجة يمكن الوصول إلى تعليم أفضل لكل الأطفال من خلال تحسين قدرات المدارس والمدرسين على الابتكار، وتطويع مناهجهم بسرعة، وكل ذلك بما يتماشى مع السياقات المحلية التي يتواجدون فيها.

ستسهم هذه المقاربة لتحسين التعليم في تغيير التأثيرات المتباينة للتحديات العالمية. كما ستساعد على استقرار الأمم والمجتمعات، وإيصال عدد أكبر من الفتيات إلى الجامعات، وإبراز المواهب الكامنة للملايين من بناتنا حول العالم.

أفكر مجددًا في ابنتَي اللتَين جلستا لأيام متتالية خلال السنة الماضية أمام حواسيبهما عاقدتَي الحاجب، وترتديان سمّاعتيهما، وهما مصرّتان على المثابرة رغم التحديات التي توجهانها، فهما مثل الكثيرين هذه السنة حاولتا مجاراة الدروس عبر الإنترنت، وواجهت صحتهما النفسية صعوبات عديدة، فلم يكن الأمر سهلًا بالنسبة إليهما ولم يكن سهلًا على أحد.

صرنا نعاني كلنا من آثار الجائحة العالمية. وإن طريقتنا في المضي قدمًا هي التي ستحدد مستقبل أطفالنا. دعونا نمكن فتياتنا بالتعليم ونمنحهن أدوات لتغيير الأنظمة التي تحول دون نجاحهن. دعونا نعطي نساء وفتيات الغد خيارات أفضل من تلك التي واجهناها في السنة الماضية. 

 الطريق للتغيير محفوف بالعوائق، ولكننا سنكون على قدر التحدي. 

عن المؤلفة

 الدكتورة أمال كربول هي الرئيسة التنفيذية لصندوق مخرجات التعليم (Education Outcomes Fund)، وهي مُبادَرةٌ لجمع مليار دولار من التمويل الإبتكاري لدعم الحكومات في جميع أنحاء العالم لتحسين تعليم ومهارات 10 ملايين طفل وشاب. تعد أمال أول امرأة تشغل منصب وزيرة السياحة في تونس وشاركت في قيادة انتقال البلاد بعد ثورة الربيع العربي، و حصلت على جائزة نوبل للسلام سنة 2015. بعدها، حصلت على ميدالية المواطن الرئاسي تقديرا لأعمالها المثالية والخدمات التي قدمتها لبلدها.

تحصَلت أمال على درجة الماجستير في الهندسة الميكانيكية من معهد كارلسروه للتكنولوجيا (KIT) في ألمانيا وعلى درجة الدكتوراه في التدريب والإرشاد من جامعة أكسفورد بروكس في المملكة المتحدة. شغلت مناصب قيادية في العديد من المنظمات بما في ذلك المنتدى الاقتصادي المغاربي و Mercedes-Benz و DaimlerChrysler وعملت في مناصب استشارية أولى في Boston Consulting Group و Beratergruppe Neuwaldegg.